Wednesday, November 22, 2006

الحل المعلوماتي لمأزق التأمين الصحي


تشكل أوضاع التأمين الصحي أحد أوجه الاهتراء ونقاط الضعف في مستوي الرعاية الصحية الحالية بمصر‏,‏ فجهات التأمين تتهم المستشفيات بتضخيم التكلفة والمستشفيات ترد بأن التأمين يخفضها لمستويات تسبب لها الخسارة‏,‏ ومن أجل الحفاظ علي مصالحهما وتحقيق أهدافهما يضغط كل منهما علي الآخر‏,‏ وفي غضون ذلك يصبح الاثنان كالمقص الذي يطبق طرفاه علي عنق المريض فيقطع من لحمه الحي إما بفواتير ملتهبة أو بخدمة متدنية الجودة‏,‏ ناهيك عن مشكلات أخري تتعلق بإهدار الوقت وتضييع الموارد وتسرب الأدوية وغش الروشتات وسوء الصرف والخلافات حول نوعية ومستوي الخدمة المقدمة وغيرها من المشكلات التي جعلت من التأمين الصحي مأزقا حقيقيا وهما وطنيا ثقيلا‏,‏ وهذا ما أتعرض له اليوم باعتبار أن قضايا التأمين الصحي المسار الثالث ضمن المسارات الثمانية التي أشرت إليها من قبل ومطلوب المضي فيها لإعادة هيكلة القطاع الصحي ليعمل بمنهج الإدارة القائمة علي المعلومات‏,‏ وأعتمد في هذا العرض علي المعلومات التي وفرها الأستاذ مجدي خيرالله رئيس غرفة البرمجيات والاتصالات باتحاد الصناعات المصرية‏,‏ وخلاصة ما استطعت الحصول عليه من جولات بحث مطولة علي الإنترنت لهذا الغرض‏.‏

لو نظرنا إلي التأمين الصحي في ضوء الخبرة العالمية سنجده عبارة عن نظام وجد بهدف توفير نمط من الرعاية الصحية الجماعية الخاضعة لنوع من‏(‏ الإدارة‏)‏ أو مستوي مناسب من السيطرة والانضباط والمعايير المتفق عليها بين جميع الأطراف ذات العلاقة وهي‏(‏ المريض ـ الطبيب ـ المستشفي ـ جهة التأمين الصحي ـ السلطات الصحية‏),‏ أي يكون التأمين الصحي نظاما يتحكم في تمويل وتقديم الخدمات الصحية للأعضاء المسجلين في نوع معين من خطط الرعاية الصحية‏,‏ ويستهدف التأكد من أن الرعاية الصحية تقدم للمرضي حينما تحتمها ضرورات طبية مناسبة وتقدمها جهة مختصة بطريقة مناسبة وبأقل تكلفة وبجودة عالية وفي بيئة عمل تتحكم في إدارة التكاليف‏,‏ وذلك بدلا من أشكال الرعاية الصحية العفوية التي تقدم بلا ضوابط أو شروط مسبقة أو ملزمة وتنشأ تلقائيا بين المريض والمستشفيات أو الأطباء أو العيادات أو غيرها‏,‏ والتي يطلق عليها البعض‏(‏ الرعاية الصحية الفوضوية‏).‏

ووفقا لهذا التصور ظهرت العديد من نظم التأمين الصحي عالميا‏,‏ منها نظام بسمارك المستخدم في ألمانيا والبلدان الناطقة بالألمانية‏,‏ بالإضافة لفرنسا وهولندا‏,‏ ونظام بيفريدج البريطاني ونظام التأمين الصحي الأمريكي وهو خليط بين برامج تأمين صحية تغطيها الدولة والقطاع الخاص‏,‏ ومنذ بداية تطبيق هذه النظم وحتي الآن لم يهدأ النقاش حولها‏,‏ بل ظلت دوما محلا لكثير من الجدل‏,‏ وكان المصدر الأساسي للجدل والنقاش هو اختلاف وجهات نظر كل طرف من الأطراف المشاركة في التأمين الصحي تبعا لمصالحه التي يبتغيها من النظام‏,‏ ولو أخذنا التجربة الأمريكية كمثال سنجد أن السلطات الصحية عارضت فكرة السماح للمرضي بمقاضاة مقدمي الخدمات الطبية باعتبار أن ذلك سيرفع الفاتورة الطبية‏,‏ وجمعيات التأمين الصحي رأت أنه يجب البحث عن زيادة عدد المؤمن عليهم مع وضع شروط أكثر علي مؤسسات الرعاية الصحية‏,‏

والمستشفيات والأطباء رأوا أن التأمين الصحي يمنعهم أو يحد من قدرتهم علي وصف العلاج المطلوب للمرضي‏,‏ وأطراف متعددة انتقدت الأطباء وادعت أنهم يهتمون بدخولهم أكثر من اهتمامهم بمرضاهم‏,‏ فيما حارب الأطباء نظام التأمين الصحي في كثير من الأحيان علي اعتبار أنه لا يعوضهم بالصورة المطلوبة‏,‏ أما جهات التأمين الصحي فحاربت من أجل زيادة تكلفة العضوية وزيادة حريتها في اختيار مقدم الخدمة وعدم تحمل تكلفة العلاج إذا عولج المريض خارج الأطباء المحددين له‏,‏ علاوة علي رفضها المطلق للسماح للمريض بمقاضاة المؤسسات الصحية‏.‏

وعلي الرغم من ذلك فقد استطاعت هذه النظم الصمود أمام الخلافات وتعارض المصالح وواصلت البقاء بفاعلية وقوة حتي أصبحت من المكتسبات القومية والاجتماعية في بلدانها‏,‏ وقد تمثلت الضمانة الوحيدة التي تم تطويرها عبر الزمن لاستمرار هذه النظم في العمل بنجاح في أمرين‏(‏ المعايير الموحدة ـ والإدارة والتداول الحر والصحيح للمعلومات‏).‏

وقد تجسدت المعايير في سلسلة من الأكواد والقواعد الخاصة بتقدير وتقييم تكلفة ونوعية وجودة الخدمات الصحية‏,‏ ليتم علي أساسها مقارنة الأسعار والمستويات الفعلية للخدمة الصحية المقدمة من قبل المؤسسة الصحية مع التكلفة والجودة المقدرة لهذه الخدمة عالميا ووطنيا‏,‏ وقد أشرنا إليها الأسبوع الماضي في معرض الحديث عن التكلفة‏,‏ والدور الأساسي الذي قامت به هذه المعايير هو إيجاد أرضية مشتركة متفق عليها أو لغة موحدة المعاني كسرت الحواجز وأزالت العقبات والاختلافات القائمة بين الأطراف المشاركة في التأمين الصحي حول مفهومه وممارساته ودوره‏.‏

أما الإدارة والتداول الحر والصحيح للمعلومات فشكل البعد المعلوماتي للقضية برمتها‏,‏ وتمثل في توفير البيانات المطلوبة لتطبيق المعايير والأكواد السابقة عمليا بشكل سليم‏,‏ فعلي سبيل المثال لا يمكن استخدام معيار أو كود معين لتحقيق توافق بين المستشفي والتأمين والطبيب والمريض علي قيمة فاتورة علاج قرنية عين دون توافر البيانات الدالة علي توقيت إجراء العملية والمستلزمات الطبية المستخدمة فيها وأجر الطبيب المعالج وتكلفة التمريض والإقامة والتشخيصات والفحوص وخلافه‏.‏

وانطلاقا من هذا المثال المبسط يمكننا تصور دور المكون المعلوماتي في إخراج نظام التأمين الصحي من مأزقه حتي تركز حاليا في ثلاثة أسس رئيسية هي‏:‏

ـ البنية المعلوماتية الأساسية بالمستشفيات والتي يتم من خلالها ميكنة جميع الأعمال بالمستشفي بجوانبها الطبية والمالية والإدارية ونقلها من الورق إلي الشكل الإلكتروني‏,‏ فالجانب الإداري يضم الدليل الرئيسي للمرضي والأمور الإدارية كالمغسلة وقسم الأغذية وخدمة الغرف وغيرها‏,‏ والجانب الطبي يتعامل مع السجل الصحي للمريض ويغطي جميع التخصصات الطبية المعروفة التي يحتاج المريض التعامل معها بالإضافة إلي الصيدلية والمعمل ووحدة الأشعة وغرف العمليات وبنك الدم والطورائ وغيرها‏,‏ بحيث يتم تدوير بيانات المريض فيما بين هذه الأقسام وما بها من أجهزة إلكترونيا دون تدخل بشري‏,‏أما الجانب المالي فيغطي النظم المالية والمحاسبية‏,‏ ويفترض أن تعمل هذه الأجزاء كنظام واحد متكامل لتدقيق وتداول المعلومات وكل جزء منه قادر علي التفاعل مع ما يجري في الأجزاء الأخري‏.‏

ـ منظومة معلومات التأمين الصحي الموحدة التي يفترض أن تعمل علي نطاق قومي وتضم قواعد بيانات دقيقة ومتجددة للمنتفعين بالتأمين الصحي‏,‏ وقاعدة بيانات بالدواء المنصرف‏,‏ وقاعدة بيانات بالأطباء المتعاملين مع التأمين الصحي‏,‏ وقاعدة بيانات للمستشفيات والمؤسسات المتعاقدة معه‏,‏ ونظم معلومات تختبر أحقية كل منتفع في العلاج‏,‏ ونظما لجمع ورصد بيانات عن كل زياره يقوم بها المنتفع للطبيب أو المؤسسة ونتيجتها‏,‏ ونظاما لحساب التكاليف ونظام مراقبه الممولين المتعاقدين ونظام الفحص الطبي الدوري لمتابعه من لهم أحقيه الانتفاع باختبارات طبيه دورية‏,‏ وآليات للربط وتبادل واستيفاء المعلومات من المستشفيات والمؤسسات الصحية والعيادات والأطباء بمختلف المواقع والأماكن من واقع سجلات المرضي ونظم المعلومات بالمستشفي وفقا للمعايير الدولية‏.‏

ـ السجل الإلكتروني الصحي الموحد والدائم للمريض‏,‏ وهو عبارة عن وعاء للمعلومات والبيانات‏,‏ يمثل تأريخا دقيقا للحالة الطبية للشخص منذ بداية حياته وحتي الوفاة‏,‏ ويوصف بدقة ما حدث له في كل مرة دخل فيها منشأة صحية‏,‏ ويتم فهرسة وتبويب المعلومات داخل السجل وفق المعايير والمقاييس الدولية المتفق عليها‏,‏ ولذلك فهو يلعب دور القاسم المشترك الموحد بين ما يجري بالمستشفيات ودور الرعاية الصحية من ناحية وما تحتاجه مؤسسات التأمين الصحي من ناحية أخري‏,‏ فالمستشفيات ودور الرعاية تصب فيه جميع المعلومات المتعلقة بما حدث للمريض بشكل موثق وقابل للمراجعة والتدقيق والتقويم وفق المعايير المعتمدة دوليا سواء للتكلفة أو نوعية ومستوي الخدمة‏,‏ ومؤسسات التأمين الصحي تستقي منه المعلومات والبيانات المطلوبة للموافقة علي دفع التكلفة للمريض وفقا لنفس المعايير‏.‏

وتشكل المرتكزات الثلاثة السابقة في مجموعها المنظور المعلوماتي المتعارف عليه عالميا لنظام التأمين الصحي وخدماته‏,‏ وبات من السهل تنفيذها عمليا بعد الانخفاضات المتوالية في تكلفة التكنولوجيا وزيادة الضغوط من أجل خفض تكلفة الرعاية الصحية ورفع جودتها‏.‏

وإذا نظرنا من منظور معلوماتي لمأزق التأمين الصحي بمصر سنجد أنه لا وجود تقريبا لفكرة السجل الصحي الموحد لا ورقيا ولا إلكترونيا‏,‏ والغالبية الساحقة من المستشفيات لا تملك بنية معلوماتية متكاملة علي النحو السابق الإشارة إليه‏,‏ ومنظومة معلومات التأمين الصحي صممت لخدمة مؤسسة التأمين الصحي وأفرعها الداخلية لكن ليس لها ارتباطات كافية مع المستشفيات والعيادات والأطباء‏,‏ ولا يوجد بينها وبين جميع المستشفيات والأطباء ودور الرعاية التزام متبادل بالاعتماد علي المعايير الدولية في تبادل البيانات الخاصة بتقدير تكلفة وجودة ونوعية الخدمة الطبية‏,‏ بعبارة أخري نحن أمام وضع معلوماتي شديد الاهتراء إن لم يكن غياب تام في التعامل مع قضايا التأمين الصحي من منظورها الشامل‏(‏ مريض ـ مسشتفي ـ طبيب ـ سلطات صحية ـ جهات تأمين صحي‏),‏

وبالتالي لا تتوافر للسلطات الصحية الفرصة الكافية للخروج من المأزق الحالي الذي اعترف به وزير الصحة عقب توليه منصبه حينما قال إن أحد أولوياته تطوير نظام جديد للتأمين الصحي بمصر ليحل محل النظام الحالي بعد عدة سنوات‏.‏

وما يثير القلق أكثر أن التعامل مع هذا المأزق يتم وفق المنهج القائم علي أنها قضايا تحل بالمباني والمعدات والتشريعات دون التفات للمعلومات‏,‏ وإذا استمر تغييب البعد المعلوماتي سيصبح ما تفكر فيه الوزارة ووزيرها هباء تذروه الرياح ولو بعد حين‏,‏ ليستمر المأزق كما هو وإن اختلفت بعض تفاصيله ورتوشه‏.‏


جمال محمد غيطاس

http://ait.ahram.org.eg/Index.asp?DID=9042&CurFN=maka0.HTM

2 comments:

Anonymous said...

المعايير الموحدة ـ والإدارة والتداول الحر والصحيح للمعلومات

هاتان النقطتان يعتبران مسألة أخلاقية في الأساس، وإستخدام الأدوات بشكل صحيح قد يقلل نسبة الخطأ ويرفع الجودة
ولكن الحل المطروح وهمي ومكلف فمشكلتنا أخلاقية في الأساس وليست تكنولوجية
والحل التكنولوجي مكلف للغاية وسيصب الملايين في جيوب الغرب ولن يحل مشكلة التأمين الصحي الموجودة في مصر
المشكلة أساس أخلاقية، الرشاوي والمحسوبيات والإختلاس والكذب وخيانة المريض لن يحلها نظام كمبيوتر أو أي نظام آخر

هذا والله أعلم

مع تحياتي
أحمد حماد

Anonymous said...

اتقد أن اطروحة الكاتب
مغرقة في المثالية
فهو لا يقترح كيفية تحويل واقعه المرير بصورة تدريجية
الي هذه الصورة المثالية

اعتقد أن الأغراق في المثالية مصيدة طبيعية للمفكرين في ظل النظم الإستبدادية التي تحرم الناس من الفعل الإيجابي
فتقل المعلومات و العلوم المستقاه من خبرات حقيقة في حياة الناس

فيبقي المفكرون مقيدون في سحابات الأفكار
بعيدين عن تحميص هذه الأفكار في ارض الواقع و في حياة الناس