Tuesday, June 05, 2007

حصاد العام الأول للاستراتيجية القومية لتنمية صادرات تكنولوجيا المعلومات


دعيت الأسبوع الماضي لحضور اجتماع موسع نظمته هيئة تنمية صناعة المعلومات بمناسبة مرور عام علي إطلاق الاستراتيجية القومية لتنمية صادرات تكنولوجيا المعلومات‏,‏ وحضره وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وقيادات الوزارة وما يزيد علي مائتي شخص من رؤساء الشركات والمتخصصين‏,‏ والانطباع الذي خرجت به من الاجتماع أن حصاد العام الأول لهذه الاستراتيجية يتمثل في أن الأمور تحركت من نقطة التجمد والركود التي شابت القضية لسنوات طويلة مضت‏,‏ لكن الاستراتيجية لم تشق لنفسها بعد مجري واضحا ومستقرا ومتفقا عليه‏,‏ تتقدم فيه إلي الأمام بالسرعة المطلوبة‏,‏ وهو أمر سيجعل صادرات تكنولوجيا المعلومات قضية تراوح مكانها لفترة غير قليلة قبل أن تحقق نقلة نوعية علي صعيد بناء القدرة واشتداد العود أمام المنافسة الدولية وتحقيق رقم تصديري يعتد به من قبل المجتمع الواسع وقيادة الدولة‏.‏

وبالطبع فإن السؤال الذي يطرح نفسه‏:‏ لماذا نري الأمور علي هذا النحو؟ والإجابة أنه برزت خلال الاجتماع شواهد عديدة تدعم هذا الانطباع‏,‏ فأكثر من ثلاثة أرباع وقت الاجتماع خصص لاستعراض معلومات وبيانات إما سبق تكرارها في مناسبات مختلفة ويمكن تصنيفها علي أنها من أعمال العلاقات العامة أو بيانات ليس لها صلة وثيقة مباشرة باستراتيجية التصدير‏,‏ لذلك سأنحيها جميعا وأتحدث عن نقطتين فقط‏:‏

الأولي أن الاجتماع ـ الذي استمر لحوالي ثلاث ساعات وتحدث فيه الوزير ورئيس الهيئة وستة آخرون من مسئولي الهيئة والوزارة ومنظمات المجتمع المدني ـ لم يقدم معلومات واضحة ومحددة يمكن أن تجيب بشفافية كاملة علي مجموعة الأسئلة البديهية المعلقة بلا إجابة منذ بدء الإعلان عن الاستراتيجية العام الماضي وتعتبر من الحقوق المعلوماتية الأساسية للمواطن ورجل الشارع وصناع القرار بالجهات والمؤسسات المختلفة بالدولة‏,‏ وتتمثل هذه الأسئلة في‏:‏

ـ ما الذي سنصدره؟ لأنه لابد أن يكون لدينا اتفاق علي ما هو قابل للتصدير قبل أن نتحدث عن استراتيجية لتنمية الصادرات‏.‏

ـ لمن سنصدر وأين؟ لأنه لا يعقل أن نخطط لإنتاج شيء نعتقد أنه قابل للتصدير دون أن نعرف من سيقبل به‏,‏ بعبارة أخري ينبغي تحديد النطاق النوعي والجغرافي لأسواق التصدير المستهدفة‏.‏

ـ ما قيمة المستهدف من التصدير علي الأجل القصير والمتوسط والطويل؟ لأنه من غير المقبول منطقيا المضي في استراتيجية لتنمية الصادرات دون تحديد حجم محدد يحقق طموحات البلاد من وراء التصدير‏.‏

ـ كم سيتكلف إنتاج ما سيتم تصديره؟ لأنه من غير المقبول كذلك التخطيط لتصدير شيء تتجاوز تكلفته عوائده فتكون حصيلة البلاد الفعلية من ورائه صفر أو سلبية‏,‏ وعليه لابد من الإعلان بكل شفافية عن تكلفة تنفيذ الاستراتيجية من مختلف جوانبها حتي تتم مقارنة التكلفة المحددة بالعائد المتوقع‏.‏

كان المتوقع أن يوضح الاجتماع إلي أي مدي نجح العام الأول من الاستراتيجية في الوصول لإجابات واضحة وحاسمة علي هذه الأسئلة لكن هذا لم يحدث‏,‏ وتقديري أن الغالبية الساحقة ممن حضروا الاجتماع خرجوا منه بلا إجابات واضحة علي هذه النقاط علي الرغم من أنهم ظلوا يستمعون للمتحدثين لحوالي ثلاث ساعات متصلة‏.‏

وقد يجادل البعض بأن التفاصيل المعلنة عن الاستراتيجية منذ العام الماضي تغطي هذه الأسئلة أو معظمها‏,‏ وبدوري أقول إن ما أعلن من تفاصيل العام الماضي لا يقدم إجابات علي هذه الاسئلة باللغة والطريقة التي تفي بحق المواطن وقطاعات الدولة الأخري في المعرفة‏,‏ فغالبيتها الساحقة تقديرات وتوقعات موجزة مستخلصة من دراسات مختلفة وتفتقد البساطة في العرض لكونها أعدت بمنظور وعقلية من يعمل بالاستراتيجية وليس بمنظور المواطنين ذوي الحق في المعرفة‏,‏ علاوة علي أنها خالية من أي بيانات تتيح للمتابع والمراقب أن يقارن بين أهم بندين فيها وهما‏:‏الإنفاق والعائد‏.‏

وأذكر أنني طالبت في اجتماع العام الماضي بضرورة إتاحة وثائق الاستراتيجية كاملة أمام المواطنين والمراقبين ومسئولي المؤسسات المختلفة بالدولة‏,‏ لأنها استراتيجية لوطن ونجاحها ليس رهنا بمهارة واضعيها ومنفذيها فقط ولكنه قبل ذلك رهن بتجاوب وتفاعل المجتمع ككل مع طموحاتها وأهدافها‏,‏ وقيل لي ساعتها أن كل شيء سيتاح خلال شهر‏,‏ ثم كررت الطلب مرات عديدة خلال العام‏,‏ ثم اختصرت الطلب في الحصول علي وثيقة مصغرة تقدم إجابة شافية واضحة علي هذه الأسئلة الأربعة فقط‏,‏ وإلي الآن لم يتم شيء‏.‏

وقد كان مثيرا للدهشة والاستغراب أن العديد من المتحدثين خلال الاجتماع من داخل الهيئة وخارجها أشاروا إلي برامج وخطط للتوعية المجتمعية ستتكلف الملايين لإقناع الناس بجدوي تكنولوجيا المعلومات كصناعة تصديرية‏,‏ ولا أدري كيف يستقيم أن نتحدث عن تمويل مثل هذه البرامج بينما الواقع العملي يقول إن هناك هدرا لحق الناس في الحصول علي المعلومات الأساسية عن القضية وهي الاستراتيجية نفسها بكل تفاصيلها؟
واعتقادي أن عدم الاكتراث بإعلان التفاصيل لا يخدم الاستراتيجية ولا يساعد علي الوصول بها إلي المجتمع العريض بفئاته المختلفة بما يمهد الطريق لتكوين ثقافة مجتمعية داعمة لمشروعاتها وأهدافها علي المدي المتوسط والطويل‏,‏ بل علي العكس سيرسخ الهوة الفاصلة بينها وبين مؤسسات وقطاعات المجتمع وسيجعل منها حديثا داخليا منولوج مغلق علي معديه ومنفذيه والمرتبطين به ارتباطا مباشرا‏,‏ وليس حوار خارجي إيجابي ديالوج مع المجتمع الواسع‏,‏ وهذا هو السبب الأول الذي يدعونا إلي القول بأنه إذا استمرت الأمور علي هذا النحو فستظل القضية تراوح مكانها لفترة ليست بالقصيرة‏.‏

النقطة الثانية انه تم خلال الاجتماع التوقيع علي بروتوكولات تعاون بين الهيئة وغرفة صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات وجمعية اتصال جمعية شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمصر‏,‏ وبموجب هذه البروتوكولات ستقدم الهيئة ما يناهز الـ‏8‏ ملايين جنيه لتمويل أو المشاركة في تمويل سلسلة من المشروعات لدي الغرفة والجمعية تستهدف رفع القدرة التنافسية للمنتج المصري والعمل علي دعم الشركات والمنتجات للوصول إلي الأسواق الخارجية‏,‏ ودعم خطة للخروج بثلاث حزم برمجية مصرية للأسواق العالمية‏.‏

ولا خلاف بالطبع علي أن مثل هذا التعاون بين الوزارة ومؤسسات المجتمع المدني أمر إيجابي ومطلوب‏,‏ لكن من يدقق النظر في المشروعات التي ستنفذ ـ خاصة مع الغرفة ـ سيخرج بنتيجة مؤداها أن الاستراتيجية التي أعلنت قبل عام إما تعرضت لشرخ أو تعديل‏,‏ فالجميع يعرف أنه كانت هناك رؤيتان متمايزتان أثناء إعداد الاستراتيجية‏,‏ الأولي تبناها الفريق التابع لهيئة تنمية المعلومات ورأت أن فرص مصر في الخروج للأسواق العالمية بمنتجات وحزم برمجيات مصرية معدومة أو شبه معدومة‏,‏

وبالتالي لا داعي للتفكير في تبني أسلوب تصدير منتجات محلية لأنها ستتعرض للفشل الذريع وستكون مضيعة للوقت‏,‏ والأجدي هو تبني فكرة تصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات المعتمدة علي القدرات البشرية المتاحة في مصر بكثرة‏.‏

أما الرؤية الثانية فتبناها مسئولو الغرفة‏,‏ ورأت أن استراتيجية التصدير يجب أن تبني علي مفهوم بناء صناعة مصرية قوية وقادرة علي تقديم منتجات تغزو الأسواق العالمية‏,‏ باعتبار أن هذا النهج يشكل نوعا من التنمية العميقة المستقلة المعتمدة علي الذات والقادرة علي تحقيق عائدات أكبر مباشرة وغير مباشرة علي المدي الطويل‏,‏ وليس خافيا أن خلافا قد ثار بين الرؤيتين داخل أروقة الوزارة وهيئة تنمية صناعة المعلومات في فترة الإعداد حتي أعلنت الوزارة والهيئة أنهما اختارتا تصدير خدمات المعلومات كمنهج عمل‏.‏

في ضوء ذلك يمكننا القول إن توقيع هذه البروتوكولات يعني أن الرؤية التي رفضت العام الماضي تم قبولها هذا العام بدرجة أو بأخري‏,‏ بمعني أن الهيئة التي رفضت العام الماضي بناء استراتيجية تقوم علي فكرة تصدير المنتج وفضلت تصدير العقل والخبرات جاءت هذا العام لتمنح أصحاب فكرة تصدير المنتج حوالي ثمانية ملايين جنيه‏,‏ فما الذي جري بالضبط‏,‏ ومن الذي كان علي صواب العام الماضي واكتشف هذا العام أنه علي خطأ ليقرر هذا التمويل غير المسبوق للغرفة والجمعية‏,‏

وهل نحن بصدد استراتيجية تعرضت لشروخ وتراجعات جبرية تحت ضغط الغرفة وأصحاب الشركات أم استراتيجية خضعت خلال العام لمراجعات طوعية أفرزت استراتيجية معدلة تقر بالمضي قدما في الاتجاهين معا‏,‏ أم أن اليد الطولي في القضية أصبحت للتوازنات السياسية والمواءمات التي ليس لها علاقة قوية بالمقتضيات الموضوعية المتعلقة بطبيعة الصناعة والأسواق‏,‏ ومن ثم أصبحنا أمام استراتيجيتين منفصلتين كل منهما صدي لتكتلات مالية ذات امتدادات سياسية ومجتمعية؟

إن هذه التساؤلات تشير إلي أن البروتوكولات وضعت الرؤية التي تحكم الاستراتيجية في منطقة رمادية غير واضحة الملامح‏,‏ ومن ثم تستدعي توضيحا سريعا بمنتهي الشفافية حتي نعرف‏:‏ هل نحن ذاهبون إلي تصدير المنتجات أم إلي تصدير الخبرات والخدمات أم الاثنين معا؟ وهذا الوضع الرمادي الجديد هو النقطة الثانية التي ولدت الانطباع بأن القضية مرشحة لأن تراوح مكانها لفترة ليست بالقليلة‏.‏

من ناحية أخري فإنه علي الرغم من أن هذا التمويل مال عام في النهاية‏,‏ فإن أحدا لم يتطرق خلال توقيع البروتوكولين ولو بكلمة واحدة للعلاقة التي ستنشأ بين الهيئة كجهة مانحة والغرفة والجمعية كجهات متلقية‏,‏ وهل سيكون للهيئة حقوق إشرافية علي هذه المشروعات‏,‏ وإلي أي مدي ستقبل الغرفة والجمعية بالدور الإشرافي للهيئة إن وجد‏,‏ وما هي الضمانات التي تمنع تحول هذا الدور الإشرافي إلي منفذ للتأثير علي الشركات‏,‏ وما هي الضمانات التي تمنع تحول المنح والأموال إلي جرعات رضاعة لتسيير الأحوال داخل بعض الشركات زيفا تحت راية تنمية الصادرات؟ كذلك لم يتم التطرق لآليات متابعة أوجه إنفاق هذه الأموال وقياس العائد عليها وشروط استخدامها وضمانات توظيفها بفعالية‏.‏


جمال محمد غيطاس
ghietas@ahram0505.net

1 comment:

Ahmed Hammad said...

شكرا حسام علي نقل هذه المقالة الجميلة
حماد