Friday, December 08, 2006

المعلومات‏..‏ وصناعه القرار الصحي

حينما ينظر المرء الي قضايانا الصحيه الرئيسيه كالبلهارسيا والانيميا وسوء التغذيه والامراض الكبديه والسرطان والاخطاء الطبيه ومشكلات التامين الصحي وغيرها‏..‏ يمكنه بقليل من الجهد ملاحظه ان اداء القطاع الصحي المصري في مجمله اقرب الي اداء البطه العرجاء‏,‏ فهو عاده ثقيل الحركه‏,‏ بطيء الاستجابه‏,‏ قليل الفاعليه والحيله‏,‏ وغني في قراراته التي لا تتخذ او تتخذ فتاتي بعد فوات توقيتاها المناسبه‏,‏ وبلغه الطب والاطباء يمكننا القول ان نمط اداء البطه العرجاء يكاد يكون من الاوبئه الاداريه المتوطنه التي تحولت الي هم وطني عام طال مختلف موسسات تقديم الرعايه الصحيه بدرجات متفاوته الحده‏,‏ بدءا من الوحدات الريفيه وانتهاء بالسلطات الصحيه العليا بالدوله‏,‏ حتي بات الحديث عن السرعه والحيويه مع العمق والتكامل في صناعه القرارات الصحيه المختلفه حلما يراود القله بعدما ملت الاغلبيه وياست من طول انتظار تحوله الي حقيقه‏,‏ فهل القراءه المعلوماتيه لواقع ومستقبل القطاع الصحي المصري بامكانها تقديم افق جديد يمكنه تخليص المواطن من هم البطه العرجاء الذي استوطن الهياكل العظميه الاداريه لموسساتنا الصحيه؟



بالطبع يمكن للقراءه المعلوماتيه ان تقدم بديلا مختلفا قادرا علي الاسهام بقوه في التخلص من هذا الداء‏,‏ فنمط اداء البطه العرجاء هو نتيجه مباشره لنقص المعلومات وضمور القنوات والادوات المسئوله عن تجميعها ونقلها وفهرستها ومعالجتها بصوره تجعلها مناسبه لان توظف في المراحل المختلفه لصناعه القرار الصحي‏,‏ سواء كان هذا القرار متعلقا بوصف دواء لمريض بالصداع او متعلقا برسم استراتيجيه صحيه كبري كمكافحه الانيميا والبلهارسيا‏,‏ ولذلك فان الروشته التي امكن الخروج بها من الخبرات العالميه المتعدده في تعاملها مع هذا الداء تضمنت حلا تمثل في القرار الصحي اللحظي المستند الي معلومات حيه متجدده متكامله وعميقه عن القضيه التي يعالجها‏.‏

وتقدم هذه الروشته كما نري نوعا من العلاج المعلوماتي الذي يعد في الوقت نفسه المسار الخامس بين المسارات الثمانيه المطلوب المضي فيها لاعاده هيكله القطاع الصحي ليعمل بمنهج الاداره القائمه علي المعلومات‏,‏ والتي عرضنا منها حتي الان مسارات الجوده والتكلفه وتطوير التامين الصحي ونظام اعتماد واقرار صلاحيه المستشفيات والطواقم الطبيه‏,‏ واعتمدت في تناولها علي المعلومات التي وفرها الاستاذ مجدي خيرالله رئيس غرفه البرمجيات والاتصالات باتحاد الصناعات المصريه وخلاصه ما استطعت الحصول عليه من جولات بحث مطوله علي الانترنت في هذا الصدد‏.‏

وبالطبع يمكننا الحديث باسهاب عن طبيعه هذا العلاج المعلوماتي ودوره في القضاء علي داء البطه العرجاء بالموسسات الصحيه المتخصصه والصغيره كالعيادات والوحدات الصحيه والمستشفيات الصغيره والخاصه والعامه والمتخصصه بل ولدي المرضي ايضا‏,‏ لكننا‏-‏ لاعتبارات المساحه سنركز اليوم علي ابعاد هذا الداء وعلاجه المعلوماتي فيما يتعلق باداء السلطات الصحيه العليا بالدوله وعلي راسها وزاره الصحه‏.‏

فالملاحظ ان داء البطه العرجاء اصاب الطريقه التي تصنع بها الكثير من القرارات الصحيه المصيريه‏,‏ ومنها مثلا ان وزير الصحه ادلي بتصريحات صحفيه قبل عده اسابيع تحدث فيها عن وجود خطط لاعاده دراسه اوضاع الاجهزه الطبيه وتوزيعاتها علي المستوي القومي‏,‏ ويفهم من هذه التصريحات ان القرارات التي تم بموجبها اداره موارد البلاد من الاجهزه الطبيه قد جري صنعها واصدارها وفق معلومات اما منقوصه او متدنيه الجوده ولا تعبر تعبيرا حقيقيا عن الواقع‏,‏ فوزعت هذه الموارد في غير موضعها المناسب زمنيا وجغرافيا وانتهت الامور الي واقع لم يعد مرضيا ودفع الوزير لاعاده التفكير في اصدار قرارات جديده مختلفه لادارتها وتشغيلها‏,‏ ولو تناولنا الوضع من حيث الوقت المستغرق في تطور الامر من حاله سائده علي الارض لا يشعر بها احد الي مشكله ضاغطه مدرجه علي اهتمامات الوزير سنجده انه ربما امتد لسنوات تماما كحركه البطه العرجاء‏.‏

ويمكننا ان نسوق عشرات القرارات الصحيه الاخري التي اصابها هذا الداء‏,‏ مثل القرارات الخاصه بمواجهه الازمات الصحيه المزمنه والطارئه‏,‏ والقرارات الخاصه باداره مشتروات المستلزمات والمعدات الطبيه علي المستوي القومي‏,‏ والقرارات المتعلقه باستخلاص موشرات الاداء الرئيسيه للوحدات المختلفه العامله بالقطاع الصحي علي المستوي القومي واجراء التحليلات المقارنه المطلوبه لرسم الخريطه الصحيه العامه بالبلاد‏.‏

واذا كنا جميعا نطمح في قطاع صحي يقدم رعايه لائقه وفي توقيتاتها المناسبه فلابد من تغيير بيئه صنع واتخاذ القرارات الصحيه الكبري لتنتقل من نمط البطه العرجاء بسلبياته المعروفه الي نمط القرارات اللحظيه الوقتيه ذات السرعه والحيويه والفاعليه والقوه والتعبير الحقيقي عن الواقع‏,‏ وهي عمليه تحول عميقه وشامله لا يمكن ان تتم دون توافر قراءه معلوماتيه للمشكلات الراهنه ودور قوي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏.‏

وانطلاقا من الخبرات الدوليه المتعدده مع داء البطه العرجاء المماثل لما هو قائم بالقطاع الصحي بمصر‏..‏ يمكن القول ان العلاج المعلوماتي لهذا الداء يتمثل في بناء نظام معلومات صحي قومي يتدرج من نظم صغيره لاداره العمل وتجميع البيانات من الوحدات الصحيه بالقري والكفور والنجوع‏,‏ ثم ربط هذه النظم باخري اكبر تعمل علي مستوي المستشفيات العامه والمركزيه والتابعه للشرطه والقوات المسلحه والمستشفيات الخاصه والمستوصفات والعيادات بالمراكز والمدن‏,‏ ثم مستوي المحافظات ثم مستوي كل مجموعه محافظات معا‏,‏ وهنا تدخل فيها المستشفيات الجامعيه والتعليميه والتامين الصحي‏,‏ ثم ينتهي النظام بسلسله من قواعد البيانات الصحيه القوميه التي يتم تغذيتها وتحديثها ببيانات ومعلومات من المستويات الادني علي مدار اليوم‏,‏ ويستند كل ذلك الي نظام اتصالات وشبكات معلومات تستخدم جميع وسائل الاتصال المتاحه من خطوط تليفونات الي اقمار صناعيه وكوابل ضوئيه وغيرها‏.‏

ويجب ان ينشا نظام المعلومات الصحي القومي في اطار منظومه متكامله لتنميه وتطوير القطاع الصحي ككل‏,‏ ويتعين ان يسير في ثلاثه محاور الاول يهتم بالبيانات الصحيه للمواطنين وانشطه القطاع الصحي علي مستوي الدوله بدءا بالمستوي التفصيلي الادني‏,‏ ثم البيانات التجميعيه التي تحدد قدرات القطاع وتوزيع تلك القدرات جغرافيا وفنيا‏,‏ ثم الموشرات والاتجاهات التي تدعم صانع القرار‏,‏ والمحور الثاني هو الانشطه والاجراءات والتطبيقات التي تندرج بدورها في عده مستويات تبدا بالمستوي التنفيذي ويتبعه المستوي التقويمي ثم التخطيطي ثم مستوي اتخاذ القرارات‏,‏اما المحور الثالث فيتمثل في وسائل الاتصالات بين الكوادر الفنيه الموزعه جغرافيا طبقا لتنظيمات القطاع الصحي وبين قواعد البيانات سواء بصوره مباشره عن طريق الاستعلام او من خلال الاجراءات والتطبيقات المميكنه‏.‏

وبناء النظام علي هذا النحو سيجعل منه طريق سريعه تتدفق فيها المعلومات الصحيه بين المرضي والاطباء والمسئولين بالحكومه والهيئات المختلفه بدقه وسهوله وسرعه وبشكل يتجدد باستمرار ويوفر لصانع ومتخذ القرار في جميع المستويات الصحيه بيئه معلوماتيه مناسبه تجعل عمليه صنع واتخاذ القرارات بعيده تماما عن داء البطه العرجاء وما يحدثه من تشوهات وسلبيات تنعكس في النهايه علي الخدمه الصحيه المقدمه للمواطنين‏,‏ فمثلا قد تتخذ قرارات استراتيجيه علي المستوي القومي بتحسين اداء المنشات الصحيه القائمه والكف تماما عن انشاء وحدات جديده‏,‏ وقد تخرج للنور سياسات جديده تحدث تغييرا جوهريا في اسلوب شراء المستلزمات الطبيه علي مستوي البلاد‏,‏ فباستخدام نظام المعلومات الصحي القومي يمكن لمتخذ القرار ان يتعرف لحظيا علي حاله المخزون من الادويه والمستلزمات الطبيه في جميع المستشفيات والوحدات الصحيه‏,‏ ويستخلص منها المعلومات الخاصه بالاحتياجات الحاليه والمستقبليه لكل مستشفي او وحده صحيه‏,‏ ويعد منها قائمه مشتريات موحده علي مستوي الجمهوريه تطرح بالاسواق للشراء بالجمله‏,‏ ولنا ان نتصور حجم الخفض او الاسعار المميزه التي يمكن الحصول عليها من وراء الشراء من قائمه موحده يتم تجديدها شهريا او اسبوعيا‏,‏ بالاضافه للدقه في تلبيه الاحتياجات في اوقاتها المناسبه وضبط عمليات الشراء والتوريد ماليا وسهوله مراقبتها والسيطره عليها‏,‏ بل يمكن وضع هذه القائمه علي شبكه المعلومات الصحيه او علي الانترنت‏,‏ بحيث يمكن لموردي المستلزمات الطبيه بالسوق المحليه او العالميه الدخول عليها والبحث فيها عن احتياجات المستشفيات‏.‏

من ناحيه اخري سيتحول هذا النظام مع الوقت الي حجر الاساس الذي يتم بموجبه رسم خريطه صحيه دقيقه للبلاد كلها اولا باول من حيث معدلات انتشار الامراض واسبابها بدقه وسرعه‏,‏ وبالتالي لن يحتاج المخطط او صانع القرار الي عشرات او مئات الدراسات المتفرقه والبيانات المتضاربه لكي يقف علي حدود انتشار الفيروس الكبدي سي بالبلاد ثم لا يحدث اتفاق نهائي علي ذلك كما هو حاصل حاليا‏,‏ او يحدث تضارب في نسب التراجع التي حدثت في معدل انتشار البلهارسيا‏,‏ كما سيتيح النظام التعرف الدقيق واللحظي علي موقف الدواء بالاسواق فلا يتعرض المواطنون لازمات مفاجئه في كميه المعروض او اسعاره كما يحدث حاليا‏,‏ كما يتيح مراقبه مستوي الاداء في جميع المنشات الصحيه بالبلاد لتلافي السلبيات والاخطاء الطبيه الشائعه الحدوث‏,‏ وسيسمح النظام للمخططين الصحيين بمراقبه الاداء المالي للمستشفيات بشكل حقيقي وحساب اي مغالاه في التكاليف بناء علي النظم القياسيه المعياريه في وضع تكاليف العلاج والدواء التي تلتزم بها المنشات العلاجيه في العديد من دول العالم المتقدم‏,‏ كما يتيح سهوله استخلاص احصاءات دقيقه حول نتائج العمليات الجراحيه وعددها ونسبه الوفيات ونوعيه المرضي في التخصصات المختلفه‏,‏ ثم تجميع وتحليل هذه الاحصاءات جميعا بشكل دوري لكشف نقاط الضعف والعمل علي تلافيها‏,‏ وهكذا فان اتباع المدخل المعلوماتي في علاج وتقويه عمليه صنع القرار الصحي ربما يجعلنا كمواطنين نتنفس الصعداء ونعود لنحلم من جديد برعايه صحيه لائقه‏.‏




جمال محمد غيطاس
ghietas@ahram0505.net

No comments: